الخميس، 29 سبتمبر، 2011

جفاف


عيد مختلف


عيد مختلف مر عليها هذا العام. اتشح بالسواد فهو لم يأت كما اعتادت. لم تبحث لها عن ثوب مزركش ذي ألوان فاقعة ترتديه بل اكتفت بثوب أسود ووجنات حمراء تغالبها الدموع فتكسوها لحظة بلحظة وهي تسترق النظرات من نافذة منزلها خلسة لترى المدافع تقترب من شوارع قريتها. تذرف دموعا رقراقة لفقدها ابنها إثر قصف مدافع الظلم والطغيان.

تقطب حاجبيها وتغمض عينيها بقوة لتحاول نسيان ما مر بها لحظة سقوطه مسجى وسط الشارع. هل سيأتيها عيد مختلف؟ ربما ما زالت تنتظره بين فينة وأخرى، ترافقها دموعها وتشعر أنها لن تسكت حتى ترى راية الحرية تعلو وسط ضجيج مدافع الظلم عليها وعلى من تحب. ترفع نظرها للسماء وتبتهل داعية أن يحقق لها ولشعبها بعض ما تـتمنى.



جفاف


قالوا: جف ينبوع النواعير وسكت. ابتسمت في أعماقها وهزت رأسها معزية نفسها: ستعود تـتدفق مياهها قريبا، وقريبا جدا.

مسحت سحنة وجهها وهي تتنهد ألف تنهيدة وتسير وسط صالون منزلها وكأنها تقيس مساحته الضيقة التي باتت تختزنها وهي تحبس نفسها وتغلق أبواب منزلها عليها وعلى عيالها منتظرة والدهم الذي لم يعد.

تمددوا على الأرض وسط نوم متقطع إثر أصوات المدافع التي توقظهم كل ثانية يمر عليهم فيها الظلام ليشككهم بظلمته وليقذفهم بنيران تخفي سواده لتزيده وجعا في قلوبهم، وكأن النهار والليل تساوا في اللون. لكن لون الليل بات قاسيا وهو يتقيأ أصواتا ترتعد ويقذف بنيران تحرق كل من تلامسه.



البصيرة


أسير في طريق يعج بالضجيج. حارتنا مزدحمة. أرى الأصوات فيها كأنها غبار رمادي يلفح وجهي. اعتدت السير هنا وهناك لأشتري ما أريد. أتحسسه. ألامسه. أكتشف ما فيه من عطب. سرت يومها مسرعا سرعة لم أعتدها وكأن الساعات التي لا أعيها تداهمني. لطم جسدي لحظتها جسدا هزني. صرخ في وجهي لحظتها: "يا أعمى، ألا تنظر أمامك؟" ابتسمت وتحسست جسده معتذرا. سرت في دربي لأجد يدا تربت علي بخجل: "آسف." فرددت: "لا عليك، أعمى البصيرة أحوج بالشفقة من أعمى البصر."



ليلة غروب


رفعت رأسها مترددة. سارت وعاودت السير في أماكن متفرقة من الغرفة. حركت شفتيها بعد أن أغمضت عينيها متحلية بالشجاعة. ابتلعت ريقها: "أريد مصروفا للعيال؟"

انحنت لتناول صغيرها لعبته فهوت عليها كفه تصفعها. سقطت. أصابها دوار فرأت ما أمامها أكثر مما اعتادته. وقفت وجسدها يرتعش منتفضا. نظر إليها وأخذ يصرخ بهستيرية: "أنت طالق. طالق. طالق."

خرج راكضا يتراقص جذلا مغنيا بهذه الكلمة. نكست رأسها فتناول صغيرها طرف وجهها وقال بحزن ماسحا خدها: "آلمك؟




محاصر


"أمي: هل ما زال العالم يذكر أني محاصر هنا؟"

"ألجم سؤالك يا ولدي لساني. ربما. ربما يذكرون وربما قرروا النسيان وسط ضباب الدروب."